مسرحيــــة “دائـــرة الطباشـــير القوقازيــــة”.. الحـــــق لأصحابه

مسرحيــــة “دائـــرة الطباشـــير القوقازيــــة”.. الحـــــق لأصحابه

وأصل الحكاية هو عندما تتخلى الملكة عن طفلها الرضيع وتهرب خوفا مع زوجها الملك في ظل ظرف خاص بالحكم، فيظل الصغير في رعاية الخادمة الصغيرة حتى تمر الأعوام وتعود الملكة للحكم وتطالب باسترداد إبنها لكن الخادمة تتمسك به. يصاب القاضي بالحيرة فيصنع دائرة من الطبشور ويضع بداخلها الصغير ويطلب من كلتاهما أن يجذباه لخارج الدائرة تنجح الملكة في جذبه وانتزاعه من يد الخادمة الحانية فيحكم القاضي للخادمة، هكذا صور بريخت فكرة إذا أحببت شيء فلا تتنازع عليه وتمزقه.وقد عكس برخت في مسرحيته نتيجة الحكم، فحكم لجروشا الخادمة أن يكون الطفل من نصيبها وهي التي أنقذت الطفل بعد الثورة على أبيه الحاكم. وأشرفت على تربيته، وليس للأم التي تخلت عنه. ثم أن بريخت يرمي لمعنى واضح وهي أن له من القدرة الكافية على الاحتفاظ بالشيء والاهتمام به هو الأحق به.كتب المسرحية عام 1933 بعد أن ترك برخت ألمانيا مهاجرا لعدة سنوات كلاجئ إلى سويسرا وفرنسا والدانمرك وفنلندا وروسيا قبل أن يستقر في الولايات المتحدة الأمريكية، التي كتب فيها العديد من المسرحيات الحياة الخاصة للعرق السائد، وآلام وشجاعة وأطفالها وحياة غاليليو والمرأة الطيبة من ستوزان والسيد بونتيلا وخادمة ماتي والصعود المقاوم لأرتو أوي، لكن من بين هذه النصوص ظهرت مسرحية دائرة الطباشير القوقازية، وتطرح المسرحية مضمون يحمل الجوانب الأيديولوجية لمسرح بريخت في أنضج مراحله الفنية من خلال مقدمة استهلالية كجزء لا يتجزأ من فصولها الخمس علي خلفية عنوان لكل فصل منها، وهي: الفصل الأول: الطفل النبيل، الفصل الثاني: الفرار إلى الجبال الشمالية، الفصل الثالث: حكاية القضاية، الفصل الرابع: دائرة الطباشير. وهذه التقسيمات تخدم الهدف الأساسي الذي يسعي المغني أو الراوي لتوصيله في مسألة أساسية تتعلق بالأحقية في الملكية التي طرحها برخت علي مستويين.يروي الفصل في امتلاك الأرض وفق المبدأ القائل الأرض لمن يزرعها، والفصل الثاني حول الأمومة لمن يرعاها ويؤدي واجبها من غير رابطة الدم التي وظفها برخت من خلال حكاية صينية قديمة تشبه أحد أحكام الإمام علي ابن أبي طالب في القضاء، وسبب في ذلك أن العالم العربي الإسلامي عرف العدالة والمساواة قبل غيره من الأمم بقرون، في وقت ولم يكن للماركسية أو غيرها من أثر في الفلسفة الإنسانية الي جوار التشابه مع حكاية عبرية (عن سليمان الحكيم) التي تروي أن الملك سليمان يقترح شطر طفل الي شطرين علي أثر أدعاء كل من امرأتين متنازعتين بأنه أبنها، فأبت الأم الحقيقية أن يشطر الطفل وآثرت التنازل عنه، وتبين لسيلمان أنها ألام الحقيقية وحكم لها بحاضنته. أما الحكاية الصينية فقد اقترح القاضي رسم دائرة طباشير يوضع الطفل فيها، وطلب من السيدتين أن تسحب الطفل إليها، فمن استطاعت أن تخرجه من دائرة الطباشير تكون الأم الحقيقية له، لكن توظيف برخت لهذه الحكاية الصينية جاء بشكل مغاير، لأنه لم يحكم للأم الحقيقية، بل حكم القاضي أزداك للخادمة جروشا، التي تبنت الطفل وعنيت بتربيته، لأنها هي التي اهتمت به ورعته بينما هربت أمه وتركت طفلها حين اندلعت الثورة وقتل زوجها الحاكم في إحدى مدن القوقاز.تبدأ المسرحية على لسان مغني يروي أحداث المسرحية وهو يقرأ من كتاب حول حاكم يدعي جورجي أبشفيلي له زوجة جميلة كان يستمتع بالدنيا. في صباح الفصح، مصحوبا بأهله ذهب الحاكم جورجي للكنيسة، ويبدأ مشهد نرى فيه مجموعة من الشحاذين والفقراء وهم يلوحون بأطفال مرضى وعكازات وعرائض ومن خلفهم جنديان ثم أسرة الحاكم بملابس فاخرة ويعلق المغني على أحداث فيها أو يروي بعضها، فيما تتضمن الفصول الخمسة قسمين الأول يتعلق بالمواجهات التي تعرضت لها الخادمة جروشا في هربها من أعين الجنود، أما القسم الثاني يتحدث عن وصول أزداك إلى منصب القضاء وأحكامه التي لا تتطابق مع القانون لأنها تنصف عامة الشعب أما جروشا تجد نفسها وحيدة مع طفل بعد أن كانت أمه مشغولة بما تحمله من ثياب فاخرة قبل أن تفر حين اشتعلت الثورة وقتل زوجها، فتحمل جروشا الطفل وتهرب به إلى أخيها في أعالي الجبال وقبل الهرب من المدينة تعاهد أحد الجنود سيمون على الزوج بعد أن يعود من الحرب، إذ أراد برخت في هذا المشهد أن يؤكد جانب العاطفة ودورها في السطوة على الإنسان، أي أن الصراع بين العقل والعاطفة ينتهي بانتصار كتلة الانفعال الإنساني أمام المواقف التي لا يستطيع الفرد التخلص منها في أي زمان ومكان، وهنا قصة سيمون وجروشا تضفي جوا شاعريا من خلال عهد جروشا لسيمون بالحفاظ علي حبهما.
«فإذا رجعت من القتال، فلن تري بالباب أحذية هناك وإلى جوار وسادتي، ستري الوسادة خالية وترى شفاهي لم يقبلها أحد”.
إن برخت تهيمن عليه فكرة الحرب بسب دراسته الطب والخدمة في المستشفيات العسكرية خلال الحرب، أو أنه ساهم في قطع وبتر الأرجل والأيدي من المصابين في المعارك، ويمكن القول أن كل هذه الصور ظلت في ذاكرته مُشكلة ردود فعل معاكسة باتجاه الحب الخاص والعام التي تنعكس في أعماله المسرحية، بعيدا عن مواقف اندماجية في شخصيات التي يصورها في مثل هذه المشاهد، بل أن بريخت وفق التزامه السياسي وجد الحاضنة الماركسية تدعوه إلى تحطيم وهم المحاكاة وحث الجمهور على أعلى مستويات المشاركة الفاعلة حتى في عودة سيمون من الحرب، بعد وصول جروشا إلى بيت أخيها في الجبال وصدامها مع زوجته المتدينة التي يورادها الظن أن الطفل ابن غير شرعي ولم تستطيع جروشا أن تفصح عن نسبه لكي لا يتعقبها جنود الأمير، أثرت على نفسها المساس بالشرف من أجل الحفاظ على حياة الطفل، وتنازلت لأخيها في زواج من فلاح يدعي المرض هروبا من خوض الحرب، فتحمي بذلك سمعتها وحياة الطفل.
شخصية جروشا عند برخت هنا تتجلى في جملة من الصراعات بين الدين والتقاليد والسلطة لذلك هي أسيرة مجتمع قروي يحاول هدم شعور الأمومة عند جروشا بينما هي تكافح من أجل إبقاء هذا الشعور الطبيعي في الحياة وبناء إنسان جديد تمثل بالطفل، إذ أن برخت وظف الفكر الصراعي بين شخصية جروشا وطفلها بالتبني والمجتمع من خلال قوتان؛ الأولى تحاول الهدم وأخرى تدعو إلى إعادة البناء، أي أن المجتمع يكون بين الاختلال والبحث عن توازن جديد الذي يبرهنوه وصول أزداك إلي منصب القضاء في القسم الثاني من المسرحية، إذ المؤلف يروي كيف أخفي أزداك الدوق عندما كان كاتب عمومي في القرية حتى تسني له الهرب، ثم يصوره للقارئ أنه قاضيا يستغل نفوذه الوظيفي من أجل الفساد والرشوة إلى جوار ميله العفوي إلي إنصاف المظلوم والحكم بالعدل، بطريقة طريفة وصفات المتناقضة.
«أزداك : ياوكيل النيابة ! سطل نبيذ للزائر! من أنت؟
قاطع الطريق: راهب سائح يا صاحب السعادة،وأشكرك علي هذه الهدية اللطيفة. سطلاً آخر !”. إذ بمكن القول بأن تخريجات برخت لشخصية أزداك توضح علاقاته بالمجتمع الأول ويبرر الحكم الذي أصدره للخادمة جروشا التي تبنت الطفل وعنيت بتربيته، لأنها هي التي اهتمت به ورعته بدائرة الطباشير التي رسمها في قاعة المحكمة، وهنا يبغي المؤلف استثارة عقل المشاهد في طرح العديد من التساؤلات، بعد أن يكشف فحوى المسرحية علي لسان المغني فيقول: “أنتم يا من سمعتم قصة دائرة الطباشير، أحفظوا حكمة الأقدمين؛ أن الأشياء ينبغي أن تعطى للذين يقومون عليها خير قيام؛ فأولاد للأمهات اللواتي يرعينهم خير رعاية حتي يشبوا ويترعرعوا، والوادي للذين يحسنون سيقه حتي ينتج خير الثمار”.

تاريخ النشر الثلاثاء 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2018

النسخة المصورة

إعلان

أزمة دبلوماسية خانقة.. واشنطن عاقبت وزيرين تركيين 

أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أن أنقرة سترد على العقوبات الأمريكية. وكتب أغلو، على موقع 

جيهان هريدي تكشف أنها صممت عباءات عربية بروح 

كشفت مصممة الأزياء جيهان هريدي عن تصميمها لمجموعة جديدة من العباءات العربية، والتي تنوعت في تصميمها بين 

يسرا تُظهر حقيقة تقديمها مسرحية جديدة مع مجدي 

كشفت الفنانة يسرا، حقيقة ما يشاع عن تقديمها مسرحية مع المخرج مجدي الهواري، قائلة "إن كل ما يقال في هذا الشأن 

ميركل: ملف الهجرة قد يحدد مصير الاتحاد الأوروبي

حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أن مستقبل أوروبا بات على المحك بسبب قضية الهجرة، وطالبت حلفاءها 

كتاب الأسبوع

إقرأ وحمل مجانا

الكاريكاتير

Monaffairedz

ألبوم الصور

إستطلاع

مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حالة الطقس