تحدّيات ترجمة الأدب العربي راهنا

تحدّيات ترجمة الأدب العربي راهنا

ونسبٌ بالغة الضآلة لعدد الكتب المنشورة مترجمةً عن العربية بالنسبة إلى إجمالي الكتب المنشورة في بلدان ناطقة بالإنجليزية مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا وكثيرًا ما ترتبط الترجمات بالموسمية السياسية والأحداث الآنية، كنتيجة لاهتمام «الغرب» بالتعرّف على «الشرق» من خلال الأدب العربي الذي يَنظر إليه لا باعتباره فنًّا، بل باعتباره حقلًا لاستكشاف العلاقات والخصوصيات الاجتماعية، بحثًا أنثروبولوجيًا مُسليًا، بل إن كاتبًا كبيرًا مثل نجيب محفوظ نُظر إلى كتابته –في مرحلة ما- باعتبارها «المعادل الأدبي للبطاقات البريدية». وتُعتبر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحوّل في زيادة الاهتمام بالإسلام والعالم العربي (والصورة النمطية المتشكلة عنهما) ما زالت مستمرة حتى اليوم، في حين ولّد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 اهتمامًا بالأدب المرتبط بهذا الموضوع، وساهمت الانتفاصة المصرية عام 2011 بالاهتمام بالأدب الذي طُبخ بعضه على عجل ليستجيب لتلك اللحظة، في حين ساهمت المأساة السورية -وما تزال- بإبراز بعض الكتاب السوريين الذين سارعوا بالكتابة عنها وحظيت كتاباتهم بترجمة سريعة؛ أما الآن فسأتنبأ أن الناشر «الغربي» سيهتم بترجمة الأدب المتعلّق بالهجرة.
الأدب الذي يستجيب للظرف الراهن بشكل سريع سطحي، انفعالي، ينتفي عنه العمق المرتبط بالكتابة المتمهّلة المتعمّقة التي يجب أن يكونها الأدب؛ ولرغبة «الغرب» بالتعرّف على «الشرق» في قالب من العُجالة والتسلية، يصبح هذا النوع من الكتابة تعزيزًا للأفكار المسبقة، والرداءة النوعية، والضحالة، واستجابة ميكانيكية لرغبات «الغرب» ومتطلّباته.

ألف ليلة وليلة: القراءة بوصفها استمناءً
كثيرًا ما يردد الكتّاب أن «المحليّة هي بوابة العالمية»، وهو مفهوم ساذج –برأيي- يُخفي وراءه فكرةً متعلقةً برغبة «الآخر» الانتهاكية التلصصية. ضمن هذا المنظور، تسقط الكتابة من خانة الكشوفات الإنسانية، والفن، والتحريض على السؤال والبحث، لتصير نوعًا من الولوج في عوالم «عذراء»، تُحقق للقارئ نوعًا من النشوة الاستمنائية التخيّلية إذ يتناول التفاحة المحرّمة ويشاهد ما لن يُتاح له، وما لن يُتاح أيضًا لذاك «الآخر» الذي يقرأ عنه، فالمرأة (من كل زواياها) محرّمة عليه (على القارئ من الثقافة «الأخرى») وعلى أبناء ثقافة مصدر النص في آن معًا. هي متعة مزدوجة ناتجة عن استحالةٍ مزدوجةٍ تعزز الاستثارة والشعور بالفضح، وبالتالي الشعور بالهيمنة والتفوّق، والسعادة المشتقة عن كل هذا.
هذه القراءة الاستمنائية هي -برأيي- سبب احتفاء الغرب بحكايات ألف ليلة وليلة الذي يستمر ويتمدد إلى اليوم، ومن هذا النوع من القراءة، تُشتَقّ معايير ما يجب أن يُترجم، ما يُقبل وما يُرفض، ما يحتفى به وما يوضع على الرف ولا يُعترف به. شيء مثل هذا خلص إليه يوسف رخا في مقالته المعنونة «ألف حصاة وحصاة» التي وضعها في مفتتح العدد الخاص من مجلة «ذي كومون» الأدبية الأمريكية الصادرة عن جامعة آمهيرست، والذي خرج من المطبعة قبل أيام تحت عنوان «تجديد»، وخصص للأدب العربي المعاصر بعد أن حللتُ رئيس تحرير ضيف عليه. يقتبس رخا عن المترجم الألماني هارتموت فيندرش ما يراه الأخير سببًا لابتعاد «الغرب» عن الأدب العربي المعاصر: «أظن أن القراء يخافون أن يُدمّر هذا الأدب الصورة التي يحتفظون بها في أذهانهم عن ألف ليلة وليلة،» والتي (بعبارة رخا هذه المرّة): «لا يمكن لأي كتابة معاصرة اليوم [مهما كانت رديئة] أن تماثل السطحية، والشهوانية الفجة، والتهويم الذي بلا هدف، التي نجدها [فيها]».

سطحية النص، سهولة الترجمة
يساهم الشكل أيضًا، بصفته تعبيرًا عن الموضوع وعن المرحلة التاريخية التي تحدث فيها الكتابة، في اختيارات الترجمة: فتيار الموجة الجديدة للقصة القصيرة (يبدأ برأيي من زكريا تامر ويضم حيدر حيدر ومحمد خضيّر ومحمد زفزاف، مرورًا بمحمد المخزنجي، وصلًا إلى كتّاب الألفية الجديدة) يكتب انطلاقًا من أرض محروقة، من واقع مشظىً، من أحلام قُتلت وتَبدّدت، يحمل على ظهره تركة ثقيلة من الهزائم؛ يتجلّى هذا في الشكل الكتابي، فيصبح الميل إلى النص العمودي (الذي يغوص في العمق ولا يستكشف السطح) أكبر، وتبرز الهلوسة، والشخصيات والأماكن غير المرسومة بدقة، والزمن السائل، والركون إلى الإشارة والإحالة التلميح، والأحداث المفككة والغرائبية. هذا النوع من الكتابة الفنيّة ليس مقبولًا بشكل واسع لا في العالم العربي (عند جمهور قراء الوجبات السريعة وناشريهم)، ولا خارجه (عند الناشرين الباحثين عما يمكن أن يترجم). هذه الكتابة تسبق إمكانيات أكثر النقاد والقرّاء على حد سواء، ولا تتماشى ومعايير الجوائز (ليس ثمة جوائز مهمة للقصة القصيرة في العالم العربي، وستُنظّم هذه السنة، ولأول مرّة، جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة في الكويت، وتتعهد الجائزة بترجمة المجموعة الفائزة إلى الإنجليزية)، ولا تتماهى مع اهتمامات السلطة الباحثة في المجمل عما يعزز هوية دولتها المفبركة، أو برستيجها الدعائي، أو حملاتها المتغيّرة كل حين على أعدائها المُتغيّرين بدورهم بحسب المرحلة (نلاحظ الآن الاهتمام الشديد بالكتابة التي تناول «الإرهاب» و«التكفير» و«التسامح» و«الاعتدال» و«الوسطية» و«القبول بالآخر»…الخ، وهي كتابة تتوسّل السلطة في المجمل، وتستجديها).
هذا الشكل الكتابي غريب أيضًا بالنسبة لجهات النشر في «الغرب». يصدق هذا القول أكثر على الولايات المتحدة حيث الكتابة أكثر ميلًا للتقليدية: تُصرف الكثير من الفقرات من أجل توضيح الشخصيات والأماكن، فتميل القصة القصيرة إلى الطول (المفرط أحيانًا) إذ تحاول «إفهام القارئ»، مقتربة بذلك من الكتابة الروائية، وهو ما استقيته أيضًا من تجربتي في رئاسة تحرير العدد الخاص من «مجلة «ذي كومون» الأدبية الذي تحدّثت عنه سابقًا: نقاشات طويلة خُضتها مع رئيسة التحرير الأصيلة للمجلة جينفر آكر، تتمحور كلها حول ميلها لتوضيحٍ أكثر للشخصيات و/أو الأحداث و/أو الأماكن، في مقابل إصراري على الإبقاء على هذه المساحات لخيال القارئ باعتبارها عنصرًا عضويًا من عناصر الشكل الكتابي الجديد، وعنصرًا أساسيًا حدّد خياراتي لنشر قصص مُجدّدة ومُبتَكَرة، تقع خارج مناطق الانتباه التقليدية المُعلّبة للناشرين في الغرب (وفي عالمنا العربي أيضًا، مع بعض الاستثناءات)؛ قصصٌ تقع خارج الأنماط المُتصوّرة مُسبقًا، قادرة على ابتداع الأشكال الفنية، وتقديم مقاربات معمّقة وفريدة وإنسانية الطابع للمواضيع التي تشتغل عليها. يدعم هذا ما قالته جينفر آكر ضمن حوار شاركتُ فيه إلى جوارها، سيُنشر قريبًا في صحيفة الرياض السعودية:

هناك فرق واضح بين ما نشرناه في هذا العدد، وما تنشره المجلة عادة بقلم كتاب أمريكيين. أهم فرق هو الواقعية، وطريقة تصوير الأماكن والأشخاص. في الولايات المتحدة، تسيطر الواقعية على التقاليد الأدبية والكتابية، فتخرج الشخصيات المتخيلة إلى الحياة عبر تضافر تفاصيل محددة مشابهة للحياة، متعلقة بكلامهم، وتصرفاتهم، ومظهرهم؛ وكذا الأماكن، فهي تُقدّم بشكل مفصّل وموحٍ. في القطع الأدبية العربية المنشورة في هذا العدد، هناك تركيز أكبر على تقديم الأوضاع المبتكرة، أوضاع غالبًا ما تكون خطرة، مستحيلة، أو من عوالم أخرى، ونلاحظ –داخل النصوص- أناسًا يعانون ويصارعون في بيئاتهم المحيطة، لكن بمستوى عالٍ من التخمين والتأمل يندر وجوده في الأدب الأميركي. أثناء تحريري لهذه القطع، كثيرًا ما كنتُ أقول لنفسي: لم أقرأ أبدًا شيئًا مشابهًا لهذه الكتابة.

سطوة السلطة والسوق، ومحاولات الاختراق

ثمة توقعات مسبقة لأشكال ومواضيع أدبية «مريحة»، ومنسجمة مع دور مُحدد مُتصوَّر سلفًا للكتابة في العالم العربي أو المُستحضرة منه. على الصعيد الداخلي، تتعزز الآن سطوة الجوائز والأنظمة الراعية لها، والتعهد بالبهرجة والنجومية والترجمة المرافقة لها، والتحولات الناتجة عن هذه السطوة الجديدة: الرقابة الناتجة عن متطلبات السوق والنجومية، والتي أضيفت إلى رقابة السلطة والمجتمع. هذا التأثير يدفع الكتابة الآن إلى المناطق المعقمة، المعيارية، الكميّة (على حساب النوع)، والشكليّة (على حساب المحتوى)؛ وعلى الصعيد الخارجي، يتعزز دور الطلب القائم على الصور المتخيّلة لـ«شرق» بتول، متخلف، عنيف، قمعي، ينبغي التلصص عليه لاستمناء قرائي سريع، وتعزيز الرضى عن الذات، وتأكيد الصورة المتخيّلة عن «الغرب» المتفوق.
بين هذا وذاك، يظل الرهان على الأدب الطليعي، ومبادرات الترجمة المستقلة (مثل «تجديد»، العدد الخاص من مجلة «ذي كومون» الصادر مؤخرًا)، ومواقع يقوم عليها صحفيون موضوعيون مُتحمّسون مثل «الأدب العربي (بالإنجليزية)»، لتحقيق اختراق، ولو بسيط.بقلم هشام البستاني/ الجزء الأخير

تاريخ النشر الأربعاء 9 كانون الثاني (يناير) 2019

النسخة المصورة

إعلان

هواري بومدين

من أبرز رجالات السياسة بالجزائر في النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح أحد رموز حركة عدم الانحياز ساند حركة 

إبنة نوال الزغبي تصالحها أخيرا بعد إنقطاع التواصل 

أخيرا وبعد مايقارب من عام على وقوع القطيعة بين نوال الزغبي ونجلتها الكبرى تيا ديب أخيرا بادرت الفتاة الشابة 

هذا ما كشفه أحمد الفيشاوي وأحمد داوود وأمينة خليل 

انطلق عرض فيلم" 122 " في السينمات مؤخراً، ويشارك في بطولته ​طارق لطفي​، ​أحمد داوود​،أمينة خليل​، ​ . 

البرلمان البريطاني يصوت بأغلبيته ضد اتفاق الخروج من 

خسرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تصويتا في البرلمان على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي 

كتاب الأسبوع

إقرأ وحمل مجانا

الكاريكاتير

Monaffairedz

ألبوم الصور

إستطلاع

مواقيت الصلاة

مواقيت الصلاة

حالة الطقس

حالة الطقس